إمام وخطيب من بيت المقدس

إمام وخطيب من بيت المقدس

 
 

تحديث الخطاب الديني أمر واجب

لأن التجديد في الخطاب الإسلامي قضية مهمة بل وأصبحت ضرورة حتمية للإسلام والمسلمين كان لابد من  تحديد أولا المقصود منها وما هي آليات تنفيذها، وإذا كانت لدينا إمكانية التنفيذ أم لا، ولهذا كان السؤال الأول  هو:

تجديد الخطاب الديني أهم أحد القضايا التي تشغل المؤسسة الدينية الإسلامية، فما مفهوم هذا التجديد ؟

المقصود بالخطاب الديني أن المتحدث عن الدين وعن شريعة الإسلام عليه أن يتخذ الأسلوب المناسب لمخاطبة الناس والعقلاء هم الذين يخاطبون الناس علي قدر عقولهم، فإذا خاطب الأميين خاطبهم بأسلوب يختلف عن مخاطبته للعلماء وعليه أن يخاطب الناس بما يفهمونه وبما يجب عليهم نحو الأحداث التي يعيشونها هذا ما أفهمه في قضية التجديد للخطاب الديني في تصوري ليس معني تجديد الخطاب الديني أن أترك الدين وإنما التجديد يجب أن يكون نابعا من القرآن الكريم ومن السنة النبوية المطهرة، ومن مجاراة الأحداث، ولكن بأسلوب يستطيع الجميع أن يفهمه، وأن يكون هذا الأسلوب متسما بالصدق ومتسما بالموضوعية ومتسما بكل ما من شأنه أن يعرف الناس بشريعة الإسلام تعريفا بعيدا عن التعقيد.

لكي يكون هناك خطيب علي درجة كافية من العلم ومؤهل يجب إعادة النظر في كيفية تأهيله بداية من دراسته في كليات الأزهر.

إجماع العلماء السابقين قابل للاختلاف معه وإعادة النظر فيه

مسألة التجديد والتغيير ومسايرة العصر الذي نعيش فيه أمر واجب ولكن ليس معني التغيير أننا سنحذف مادة القرآن الكريم من المناهج أو ليس معناه أننا سنغير الفقه أو الأحاديث النبوية المقصود بالتغيير أننا قد نضيف جديدا وهو ما يقتضيه العصر الذي نعيش فيه، قد نحذف شيئا هذا الشيء لا يتناسب مع المدارك في العصر الحديث، ولكن الأصول المتمثلة في حفظ القرآن الكريم وفي حفظ الأحاديث النبوية الشريفة، وفي الأمور الفقهية الثابتة وفي قواعد اللغة العربية كل هذا مستحيل.. مستحيل أن يكون فيه أي تغيير فالتغيير قد يكون أن نقدم علما علي علم أو أن نضيف علما جديدا يقتضيه العصر الذي نعيش فيه فمنذ عشر سنوات مثلا لم يكن الكمبيوتر موجودا في الجامعات المصرية، ومنها الأزهر أما الآن فقد انتشر وبالفعل أدخلناه في المعاهد الأزهرية.

البعض يري أن تجديد الخطاب الديني لابد أن يبدأ بتنقية التراث فما رأي فضيلتكم في هذا؟

تنقية التراث أمر واجب إذا كان المقصود بالتراث الكتب القديمة التي تحتوي علي بعض الأشياء التي تخالف الأصول والعقل الإنساني السليم ففي هذه الحالة سنشير إليها في الهامش فأنا لا أستطيع أن أحذف شيئا مكتوبا، ولكن الذي أستطيعه أن أعلق علي هذا المكتوب وأن أبين أنه كتب في زمن كان يتناسب معه، ولكننا الآن في زمن لا يتناسب مع ما كتب منذ ثلاثمائة سنة وأن العلوم تقدمت والإنسانية تقدمت في الخمسين سنة الماضية أكثر من تقدمها في ألفي سنة قبل ذلك.

هل كتب الفقه ستخضع أيضا للتنقية؟

نعم بالتأكيد.

هل سيعاد النظر حتي فيما أصبح عليه السابقون من العلماء؟

ليس معني تجديد الخطاب الديني أن أترك الدين

الفقه كلام الناس وليس من كلام الله أو من كلام الرسول صلي الله عليه وسلم ونستطيع أن نعلق عليه ونستطيع أن نبين الصواب من الخطأ فيه.

علي ضوء هذا التغيير وتنقية التراث هل ستكون هناك حاجة إلي إعادة تفسير القرآن الكريم؟

تفسير القرآن الكريم لم يتوقف عند القدماء فهو موجود من الماضي، وأنا شخصيا فسرت القرآن الكريم ومكثت سبعة عشر عاما في التفسير وظهرت في خمسة عشر مجلدا، ولا أزعم أنني أتيت بفكر جديد، وإنما هو اجتهاد وتفسير هو نابع من التفاسير السابقة، فأنا عندما كنت أكتب التفسير كان أمامي ما يقرب من عشرين تفسيرا من القديم والوسيط، ولم آت بجديد وإنما أنا كتبته بأسلوب رأيت أنه مناسب للعصر.

ماذا عن التفاسير القديمة التي تحتوي علي الكثير من الإسرائيليات والدخيل والتي استطعت في تفسيرك أن تبتعد عنها، ولكن هذا التفاسير القديمة بما تحتوي يدرسها طلاب الأزهر؟

نعم هذا أهم شيء فعلته في تفسيري فقد ذكر بعض المفسرين قصصا من هذه القصص ما لا تناسب مع أصل الدين ولا يمكن أن يدركها العقل ولهذا ابتعدت عنها، وبالتأكيد سينظر إليها أثناء تجديد المناهج بالأزهر، التفسير السليم هو كذا.

ماذا عن التاريخ الإسلامي المملوء بالأحداث والأخطاء التي تشوه صور الكثير من الصحابة والتابعين فهل سيعاد النظر في كتب التاريخ الإسلامي؟

بالتأكيد سيحدث وهو يحدث بجهودات فردية من المتخصصين الذين أعادوا كثيرا من كتابة الأحداث وسينظر فيما كتب وفيما هو قديم.

هل ستوضع لجان متخصصة للنظر في هذه المناهج أم ما هي آلية تنفيذ هذا التجديد؟

تنقية التراث وإعادة النظر في الفقه القديم أو لي خطوات تغيير المناهج بالأزهر

ستقوم بهذا الكليات نفسها ففي كل كلية يوجد بها هيئة تدريس وأقسام متعددة ففي كلية أصول الدين نجد فيها قسم العقيدة والتفسير والدعوة والحديث، وفي كلية اللغة العربية قسم الأدب والنحو والتاريخ، فكل قسم مسئول عن إخراج الكتب المناسبة ويجب أن تتخلص من الخرافات والأقوال التي لا تتناسب مع الأحكام الشرعية السليمة، والتي توجد بالكتب التي تدرس للطلاب.

ما ضوابط التجديد للخطاب الديني حتي لا يتحول التجديد إلي تبديد؟

الخطاب الديني لكي يكون مؤثرا ونافعا يجب أن يكون مستمدا من كتاب الله، ومستمدا من السنة النبوية المطهرة، وأن يكون مواكبا للأحداث، وأن يقوم علي الصدق والاعتدال والبعد عن التشدد والأمور التي تتنافي مع آداب وأحكام الشريعة الإسلامية.

برزت قضية الخطاب الديني مع أحداث 11 سبتمبر وازدادت بعد احتلال العراق، فهل الأحداث فرضت التجديد علينا أم أننا في حاجة فعلية إليه؟

العصر بتطوره هو الذي يفرض علينا التجديد فالأزهر منارة العلم، ولابد أن يظل كهذا ولهذا يجب أن يواكب تطور العصر.

كثير من أصابع الاتهام توجهت إلي الأزهر بعد أن اكتشف العالم الإسلامي والعربي جهل الغرب بالإسلام وبدت صورة المسلمين مشوهة في الخارج فما تعليقكم؟

الأزهر لم يقصر في أداء وظيفته نحو الدعوة ولكن أريد أن أضيف في قضية الخطاب الديني أنه لكي يكون مؤثرا لابد أن يكون مواكبا للأحداث فقد علمنا هذا القرآن الكريم، ففي غزوة بدر نزلت سورة الأنفال وفيها حديث مستفيض عن غزوة بدر، وفي أحداث غزوة أحد نزلت أكثر من 60 آية في سورة آل عمران وبها الحديث المفسر عن هذه الحرب وموقف المؤمنين والمنافقين وعن موقف المشركين في صلح الحديبية نزلت سورة الفتح، وفي غزوة بني قينقاع أو بني النضير أو بني قريظة نزلت عشرات الآيات القرآنية في غزوة الأحزاب نزل العديد من الآيات إذن الأحداث التي تجري يجب أن يبين الداعية رأي الدين فيها بيانا موضوعيا في ضوء تعاليم شريعة الإسلام.

لكن أحداث سبتمبر وما حدث في المنطقة العربية وعلي مستوي العالم والهجوم الذي صاحب الأحداث علي الإسلام أثبت عدم معرفة الغرب بالإسلام وفضيلتكم تنفي تقصير الأزهر في ذلك فكيف تعتدل المعادلة؟

كتب التراث تحتوي علي بعض ما يخالف أصول الدين وما يرفضه العقل

نحن لا ننكر ذلك ولكننا نحاول وفي كل يوم الأزهر يحرص علي أن شريعة الإسلام شريعة تمد يدها بالسلام إلي كل من يمد يده إليها بالسلام، فالإسلام يقوم علي الإصلاح لا علي الإفساد والقرآن الكريم بين هذا في عشرات الآيات ومنها قوله تعالي (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين).. فنحن نمد أيدينا بالسلام إلي كل من يمد يده بالسلام لكن في الوقت نفسه من يعتدي علينا أذن الله لنا أن نرد هذا العدوان، كما قال سبحانه (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله علي نصرهم لقدير).

ما الجديد الذي قدمه الأزهر الشريف في هذه القضية عما كان قبل هذه الأحداث؟

الجديد أن الأزهر من عشرات السنين يرسل أبناءه إلي أوروبا وإلي آسيا وإلي كثير من البلدان ويستقبل أبناء المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها وهذا من عشرات السنين ومازلنا نقوم بهذا والآن في مدينة البعوث يوجد طالبات وطلاب من أكثر من تسعين دولة يأكلون ويشربون ويتعلمون في مصر لأكثر من عشر سنوات ويعودون وقد تعلموا العلم النافع وحفظوا القرآن الكريم ودرسوا الشريعة الإسلامية واللغة العربية.

ما شروط الداعية المعاصر؟

أن يكون حافظا للقرآن الكريم وأن يكون ملما بالأحاديث النبوية وأن يكون فاهما للشريعة وفاهما للأمور الفقهية فاهما لمجريات العصر، وأن يكون موضوعيا في الأحكام وألا يكون متشددا.

هل مواكب لقضايا العصر تعني أنه يمكن للداعي والخطيب أن يتحدث في قضية سياسية أو تكون خطبته عن الغلاء في الأسعار أو حول نزاهة انتخابات مثلا.

ليس بلازم أن تكون الخطبة في إطار الدين وإنما له أن يتكلم في أي شيء يحسن الكلام فيه ويعلمه فيتحدث في حدود علمه وقدرته وتخصصه بصرف النظر عما إذا كانت الأمور دينية أم دنيوية، المهم أن يكون دارسا وعالما بها.

 
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
       

عودة لدليل الإمام

موقع الشيخ ماهر عساف

حقوق الملكية محفوظة

2004